محمد بن عمر التونسي

61

تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان

فخرجنا من سرف الدجاج ، ومررنا بالبلد المسمى بكبكابية ، وهي بلد أشبه ببلاد ريف مصر ، إلّا أنها أعمر منها وأخصب ، لأنها آهلة بالساكن ، مغتصّة بالقاطن . وأهلها تجار أغنياء ، وعندهم من الرقيق ما لا يحصى كثرة . ولهم نخيل وأرض واسعة « 1 » ، فيها آبار قريبة الماء ، يزرعون بها أنواع الخضروات والبقول ، من بامية وملوخية وقرع وباذنجان وفقّوس وقثّاء وبصل وحلبة ( 58 ) وكمّون وفلفل وحبّ رشاد ، وكلّه كما نعهد إلا الفلفل ، فإنه حب رفيع أغلظ من الشعير بقليل . وعندهم بعض شجر الليمون الحامض . وبقربهم جبل يقال له : مرّة ، وهو جبل يشق إقليم الفور من أوله إلى آخره مع الاستقامة ، وله عدة طرق تصعد الناس منها إليه ، ولكل قطعة منه اسم خاص به غير الاسم « 2 » العام . والفور يسكنون في أعلاه ، ولا يألفون الوهاد ، بل يرون أن ذلك أصون لهم ولأموالهم . وسيأتي لهذا مزيد توضيح . وحين مرورنا بكبكابيّة وجدنا سوقها عامرا ، فأخذنا منه ما احتجنا إليه ، ثم توجهنا فسافرنا ثلاثة أيام في عرض جبل مرّة ، وصرنا نبيت ببلاد أقوام مستوحشين يكرهون الضيوف ، خصوصا إن كانوا من أولاد العرب . فأصابتنا منهم مشقّة عظيمة ، حتى صرنا لا نبيت عندهم إلا كرها عليهم ، مع أن معنا أزوادنا ولا نحتاج لهم في شئ ، فكانوا ينفرون منا بالطبع . وبعد ذلك خرجنا إلى السهل فبتنا ليلة واحدة بمحل يقال له : تارنيه « 3 » ، فأكرمونا هناك وصنعوا لنا ضيافة عظيمة .

--> ( 1 ) في الأصل واسع . ( 2 ) في الأصل : اسم . ( 3 ) يقع هذا المحل إلى الجنوب الغربى من الفاشر حسبما جاء في خريطة المؤلف المنشورة ضمن الكتاب . والموجود مكانه في الخرائط الحديثة واد وجبل يحملان هذا الاسم عند خط عرض 17 : 13 وخط طول 56 : 24 .